ملا محمد مهدي النراقي

169

جامع السعادات

والترتيب بينهما فربط المسببات بالأسباب ، ورتب بعضها على بعض ، وجعل بعضها سببا وواسطة لبعض آخر ، وهو مسبب الأسباب . والقدر عبارة عن حصول الموجودات في الخارج من أسبابها المعينة بحسب أوقاتها ، مطابقة لما في القضاء ، والقضاء عبارة عن ثبوت صور جميع الأشياء في العالم العقلي على الوجه الكلي ، مطابقة لما في العناية الإلهية المسماة بالعناية الأولى والعناية عبارة عن إحاطة علم الله - تعالى - بالكل على ما هو عليه إحاطة تامة فنسبة القضاء إلى العناية كنسبة القدر إلى القضاء . ثم ، من جملة الأسباب لبعض الأمور الدعاء والتصدق وأمثالهما . فكما أن شرب الماء سبب رتبه مسبب الأسباب لإزالة العطش ، ولو لم يشربه لكان عطشه باقيا إلى أن يؤدي إلى هلاكه ، وشرب المسهل سبب لدفع الأخلاط الردية ، ولو لم يشربه لبقيت على حالها ، وهكذا في سائر الأسباب ، وكذلك الدعاء سبب رتبه الله - تعالى - لدفع البلايا ورفعها ، ولو لم يدع لنزل البلاء ولم يندفع . فلو قيل : لو كان في علم الله - تعالى - وفي قضائه السابق ، أن زيدا - مثلا - يدعو الله ، أو يتصدق ، عند ابتلائه ببلية كذا ، وتندفع به بليته لدعاء أو تصدق ، ودفع بليته ، ولو كان فيهما أنه لا يدعو الله ولا يتصدق ويبتلي بتلك البلية ، لم يدع الله ولم يتصدق ، ولم تندفع عنه البلية . والحاصل : إن كل ما تعلقت به العناية الكلية والقضاء الأزلي يحصل مقتضاه في الخارج وعالم التقدير ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر فأي فائدة في سعي العبد واجتهاده قلنا : هذه من جملة شبهات الجبرية على كون العبد مجبورا في فعله ونفي الاختيار عنه ، ولا مدخلية لها بكون الدعاء غير مناقض للرضا ، وكونه من جملة الأسباب المرتبة منه - تعالى - لحصول مسبباتها ، كالتزويج لتحصيل الولد ، والأكل والشرب لدفع الجوع والعطش ، ولبس الثياب لدفع الحر والبرد ، وغير ذلك . ثم الجواب من الشبهة المذكورة وأمثالها مذكور في موضوعها . وأما إنكار المعاصي وكراهتها ، والفرار من أهلها ومن البلد الذي شاعت فيه ، فقد تعبد الله به عباده وذمهم على الرضا بها ، فقال :